فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان المتبادر من الاستجابة إيجاد كل ما سألوه في هذه الدنيا على ما أرادوه وكان الموجود غير ذلك بل كان أكثر أهل الله مضيقًا عليهم، وكانت الإجابة إلى كل ما يسأل بأن يكون في هذه الدار يؤدي في الغالب إلى البطر المؤدي إلى الشقاء فيؤدي ذلك إلى عكس المراد، قال على سبيل الاعتذار لعباده وهو الملك الأعظم مبينًا أن استجابته تارة تكون كما ورد به الحديث لما سألوه، وتارة تكون بدفع مثله من البلاء وتارة تكون بتأخيره إلى الدار الآخرة {ولو} أي هو يقبل ويستجيب والحال أنه لو {بسط} ولما كان هذا المقام عظيمًا لاحتياجه إلى الإحاطة بأخلاقهم وأوصافهم وما يصلحهم ويفسدهم والقدرة على كل بذل ومنع، عبر بالاسم الأعظم فقال: {الله} أي الملك الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال تنبيهًا على عظمة هذا المقام: {الرزق} لهم- هكذا كان الأصل، لكنه كره أن يظن خصوصيته ذلك بالتائبين فقيل: {لعباده} أي كلهم التائب منهم وغيره بأن أعطاهم فوق حاجتهم {لبغوا في الأرض} أي لصاروا يريدون كل ما يشتهونه، فإن لم يفعل سعوا في إنفاذه كالملوك بما لهم من المكنة بكل طريق يوصلهم إليه فيكثر القتل والسلب والنهب والضرب ونحو ذلك من أنواع الفساد، وقد تقدم في النحل من الكلام على البغي ما يتقن به علم هذا المكان.
ولما كان معنى الكلام أنه سبحانه لا يبسط لهم ذلك بحسب ما يريدونه، بنى عليه قوله سبحانه: {ولكن ينزِّل} أي لعباده من الرزق {بقدر} أي بتقدير لهم جملة ولكل واحد منهم لا يزيد عن تقدير دره ولا ينقصها {ما يشاء} من الماء الذي هو أصل الرزق والبركات التي يدبر بها عباده كما اقتضته حكمته التي بنى عليها أحوال هذه الدرر.
ولما كان أكثر الناس يقول في نفسه: لو بسط إليّ الرزق لعملت الخير، وتجنبت الشر، وأصلحت غاية الإصلاح، قال معللًا ما أخبر به في أسلوب التأكيد: {إنه} وكان الأصل: بهم، ولكنه قال: {بعباده} لئلا يظن أن الأمر خاص بمن وسع عليهم أو ضيق عليهم: {خبير بصير} يعلم جميع ظواهر أمورهم وحركاتهم وانتقالاتهم وكلامهم وبواطنها فيقيم كل واحد فيما يصلح له من فساد وصلاح وبغي وعدل، ويهيئ لكل شيء من ذلك أسبابه.
ولما ذكر إنزال الرزق على هذ المنوال، وكان من الناس ممن خذله الإضلال من يقول: إن ما الناس فيه من المطر والنبات وإخراج الأقوات إنما هو عادة الدهر بين أنه سبحانه هو الفاعل لذلك بقدرته واختياره بما هو كالشمس من أنه قد يحبس المطر عن إبانه وإعادته في وقته وأوانه، حتى ييأس الناس منه ثم ينزله إن شاء، فقال معبرًّا بالضمير الذي هو غيب لأجل أن إنزال الغيث من مفاتيح الغيب: {وهو} أي لا غيره قادر على ذلك فإنه هو {الذي ينزل الغيث} أي المطر الذي يغاث به الناس أي يجابون إلى ما سألوا ويغاثون ظاهرًا كما ينزل الوحي الذي يغاثون به ظاهرًا وباطنًا.
ولما كان الإنزال لا يستغرق زمان القنوط، أدخل الجار فقال: {من بعد ما قنطوا} أي يئسوا من إنزاله وعملوا انه لا يقدر على إنزاله غيره، ولا يقصد فيه سواه، ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وينشره- هكذا كان الأصل ولكنه لما بين أنه غيث قال بيانًا لأنه رحمةً، وتعميمًا لأثره من النبات وغيره: {وينشر رحمته} أي على السهل والجبل فينزل من السحاب المحمول بالريح من الماء ما يملأ الأرض بحيث لو اجتمع عليه الخلائق ما أطاقوا حمله، فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار، ونبات ونجم وأشجار، وحب وثمار، وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار، فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة والآية الظاهرة، فيخرج من الأرض التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول نجمًا هو في لينه ألين من الحرير، وفي لطافته ألطف من النسيم، ومن سوق الأشجار التي تنثني فيها المناقير أغصانًا ألطف من ألسنة العصافير، فما أجلف من ينكر إخراجه الموتى من القبور، أو يحيد من ذلك بنوع من الغرور.
ولما أنكر عليهم فيما مضى اتخاذ ولي من دونه بقوله تعالى: {أم اتخذوا من دونه أولياء} وأثبت أنه هو الولي، وتعرف إليهم بآثاره التي حوت أفأنين أنواره، وكانت كلها في غاية الكمال موجبة للحمد المتواتر المنوال، قال: {وهو} أي وحده لا غيره {الولي} أي الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في شيء من الأشيئاء {الحميد} أي الذي استحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه فيزيده من فضله ويصل حبله دائمًا بحبله.
ولما كان ما مضى من بسط الرزق وقبضه، وإنزال الغيث وحبسه.
من الآيات العظمية، عمم بذكر ما ذلك بعض منه، وهو دال على جميع ما ختم به الآية السالفة من الحمد الذي هو الاتصاف بجميع صفات الكمال فقال عاطفًا على ما تقديره: فذلك من آيات الله الدالة على قدرته واختياره وإنه هو الذي يحيي هذا الوجود بالمعاني من روح الوحي وغيره تارة والأعيان من الماء وغيره أخرى: {ومن آياته} العظيمة على ذلك وعلى استحقاقه لجميع صفات الكمال {خلق السماوات} التي تعلمون أنها متعددة بما ترون من أمور الكواكب {والأرض} أي جنسها على ما هما عليه من الهيئات وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات {وما بث} أي فرق بالأبدان والقلوب على هذا المنوال الغريب من الحس والحركة بالاختيار مع التفاوت في الأشكال، والقدور والهيئات والأخلاق وغير ذلك من النقص والكمال.
ولما كانت الأرض بناء والسماء سقفه، فمن كان في أحدهما صح نسبته إلى أنه في كل منهما: الأسفل بالإقلال والأعلى بالإظلال قال تعالى: {فيهما} أي السماوات والأرض ولا سيما وقد جعل لكل منهما تسببًا في ذلك بما أودعهما من الجواهر وأنشأ عنهما من العناصر.
ولما كانت الحياة التي هي سبب الانتشار والدب ربنا أورثت صاحبها كبرًّا وغلظًا في نفسه نظن أنه تام القدرة، أنث تحقيرًا لقدرته وتوهية لشأنه ورتبته فقلل {من دابة} أي شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة من الإنس والجن والملائكة وسائر الحيوانات على اختلاف أصنافهم وألوانهم وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم أقطارهم ونواحيهم وأصقاعهم ومن نظر إلى صنائعه سبحانه تيقن وجوده وقدرته واختياره، ثم إذا أمعن في النظر وتابع التدبر في الفكر وصل إلى معرفة الصانع بأسمائه وصفاته وما ينبغي له ويستحيل عليه فيحمده بمحامدة التي لا نهاية لها ويسبحه بسبحانه ثم إن أمعن سما إلى الوقوف على حكمة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب.
ولما كنا عالمين بأن من أوجد أشيئاء على ضم أشتاتهم متى شاء مع نقص التصرف والعجز في التقلب كنا جديرين بالعلم القطعي بمضمون قوله تعالى: {وهو} أي بما له من صفات العظمة التي يعلم الظاهر معها، وما غاب عنا أكبر {على جمعهم} أي هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم بعد تفرقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره من الحظوظ والأهواء وغير ذلك.
ولما كان الجمع لا بد منه، عبر بأداة التحقق فقال معلقا بجمع: {إذا} وحقق النظر إلى البعث فعبر بالمضارع فقال: {يشاء قدير} أي بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم بجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ولما ذكرهم سبحانه بنعمه، وكان السياق لتعداد ما ناسب مقصود هذه السورة منها، كان الفكر جديرًا بأن يخطر له ما في الدنيا من الأمراض والأنكاد والهموم والفهوم بالإشقاء فيها والإسعاد، قال شافيًا لعي سؤاله عن ذلك ببيان ما فيه من نعمته على وجه دال على تمام قدرته، عاطفًا على ما هو مضمون ما مضى بما تقديره: فهو الذي خلقكم ورزقكم وهو المتصرف فيكم بعد بثكم بالعافية والبلاء تمام التصرف، فلا نعمة عندكم ولا نقمة إلا منه، ولا يقدر أصحابها على ردها ولا رد شيء مها فهو وليكم وحده {وما أصابكم} واجههم بالخطاب زيادة في تقريب الطائع وتبكيت العاصي، وعم بقوله: {من مصيبة} وأخبر عن المبتدأ بقوله: {فبما} أي كائن بسبب الذي- هذا على قراءة نافع وابن عامر، وإثبات الفاء في الباقين زيادة في إيضاح السببية فقرأوا {فبما} لتضمن المبتدأ الشرط أي فهو بالذي.
ولما كانت النفوس مطبوعة على النقائض، فهي لا تنفك عنها إلا بمعونة من الله شديدة، وكان عملها كله أو جله عليها، فعبر بالفعل المجرد إشارة إلى ذلك فقال: {كسبت}.
ولما كان العمل غالبًا باليد قال: {أيديكم} أي من الذنوب، فكل نكد لاحق إنما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير، روى ابن ماجة في سننه وابن حبان في صحيحه- والحاكم واللفظ له- وقال: صحيح الإسناد- عن ثوبان- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله:
«لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» فالآية داعية لكل أحد إلى المبادرة عند وقوع المصيبة إلى محاسبة النفس ليعرف من أين جاء تقصيره، فيبادر إلى التوبة عنه والإقبال على الله لينقذ نفسه من الهلكة، وفائدة ذلك وإن كان الكل بخلقه وإرادته إظهار الخضوع والتذلل واستشعار الحاجة والافتقار إلى الواحد القهار، ولولا ورود الشريعة لم يوجد سبيل إلى الهدى، ولا إلى هذه الكمالات البديعية، ومثل هذه التنبيهات ليستخرج من العبد ما أودع في طبيعته وركز في غريزته كغرس وزرع سبق إليه ماء وشمس لاستخراج ما أودع في طبيعته من المعلومات الإلهية والحكم العلية.
ولما ذكر عدله، أتبعه فضله فقال: {ويعفو عن كثير} ولولا عفوه وتجاوزه لما ترك على ظهرها من دابة ويدخل في هذا ما يصيب الصالحين لإنالة درجات وفضائل وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن اعمالهم لم تبلغها فهي خير واصل من الله لهم، وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ قال: لأنهم علموا أن الله ابتلاهم بذنوبهم- وقرأ هذه الآية.
ولما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن أنه عاجز قال: {وما أنتم بمعجزين} لوأريد محقكم بالكلية ولا في شيء أراد سبحانه منكم كائنًا ما كان.
ولما كان من ثبت قدرته على محل العلو بخلقه وما أودعه من المصنوعات أجدر بالقدرة على ما دونه، أشار إلى ذلك بقوله: {في الأرض} ولما كان الكلام في العقوبة في الدنيا قبل الموت، ولم يكن أحد يدعي فيها التوصل إلى السماء، لم يدع داع إلى ذكرها بخلاف ما مضى في العنكبوت.
ولما نفى امتناعهم بأنفسهم، وكان له سبحانه من العلو ما تقصر عنه العقول، فكان كل شيء دونه، فكان قادرًا على كل شيء قال: {وما لكم} أي عند الاجتماع فكيف عند الانفراد.
ولما كانت الرتب في غاية السفول عن رتبته والتضاؤل دون حضرته، أثبت الجار منبهًا على ذلك فقال: {من دون الله} أي المحيط بكل شيء عظمة وكبرًّا وعزة، وعم بقوله: {من ولي} أي يكون متوليًا لشيء من أموركم بالاستقلال {ولا نصير} يدفع عنكم شيئًا يريده سبحانه بكم. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} في الآية مسائل:
المسألة الأولى:
اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: إنه يجيب دعاء المؤمنين ورد عليه سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يشاهد أثر الإجابة فكيف الحال فيه مع ما تقدم من قوله: {وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ}؟ فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ في الأرض} أي ولأقدموا على المعاصي، ولما كان ذلك محذورًا وجب أن يعطيهم ما طلبوه، قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول المجبرة من وجهين: الأول: أن حاصل الكلام أنه تعالى: {لَوْ بَسَطَ الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ في الأرض} والبغي في الأرض غير مراد فإرادة بسط الرزق غير حاصلة، فهذا الكلام إنما يتم إذا قلنا إنه تعالى يريد البغي في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة الثاني: أنه تعالى بيّن أنه إنما لم يرد بسط الرزق لأنه يفضي إلى المفسدة فلما بيّن تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريدًا للمفسدة كان أولى، أجاب أصحابنا بأن الميل الشديد إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن فلا بد لها من فاعل، وفاعل هذه الأحوال إما العبد أو الله والأول باطل لأنه إنما يفعل هذه الأشيئاء لو مال طبعه إليها فيعود السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضًا فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوب ونقصانات، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى، ثم أورد الجبائي في (تفسيره) على نفسه سؤالًا قال: فإن قيل أليس قد بسط الله الرزق لبعض عباده مع أنه بغى؟ وأجاب عنه بأن الذي عنده الرزق وبغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أعطى ذلك الرزق أو لم يعط، وأقول هذا الجواب فاسد ويدل عليه القرآن والعقل، أما القرآن فقوله تعالى: {إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّءاهُ استغنى} [العلق: 6، 7] حكم مطلقًا بأن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان.
وأما العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلة إلى الشر لكنها كانت فاقدة للآلات والأدوات كان الشر أقل، وإذا كانت واجدة لها كان الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان.
المسألة الثانية:
في بيان الوجه الذي لأجله كان التوسع موجبًا للطغيان ذكروا فيه وجوهًا الأول: أن الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل لامتنع كون البعض خادمًا للبعض ولو صار الأمر كذلك لخرب العالم وتعطلت المصالح الثاني: أن هذه الآية مختصة بالعرب فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم أقدموا على النهب والغارة الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر، وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر فعاد إلى الطاعة والتواضع.
المسألة الثالثة:
قال خباب بن الأرث فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها، وقيل نزلت في أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
ثم قال تعالى: {ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاء} قرأ ابن كثير وأبو عمرو {يُنَزّل} خفيفة والباقون بالتشديد، ثم نقول: {بِقَدَرٍ} بتقدير يقال قدره قدرًا وقدرًا {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ} يعني أنه عالم بأحوال الناس وبطباعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على وفق مصالحهم، ولما بيّن تعالى أنه لا يعطيهم ما زاد على قدر حاجتهم لأجل أنه علم أن تلك الزيادة تضرهم في دينهم بين أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه فقال: {وَهُوَ الذي يُنَزّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} قرأ نافع وابن عامر وعاصم {يُنَزّل} مشددة والباقون مخففة، قال صاحب (الكشاف): قرىء {قَنَطُواْ} بفتح النون وكسرها، وإنزال الغيث بعد القنوط أدعى إلى الشكر لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتم، فكان إقدام صاحبه على الشكر أكثر {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} أي بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب، وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له «اشتد القحط وقنط الناس فقال: إذن مطروا» أراد هذه الآية، ويجوز أن يريد رحمته الواسعة في كل شيء كأنه قيل ينزل الرحمة التي هي الغيث وينشر سائر أنواع الرحمة {وَهُوَ الولى الحميد} {الوالي} الذي يتولى عباده بإحسانه و{الحميد} المحمود على ما يوصل للخلق من أقسام الرحمة، ثم ذكر آية أخرى تدل على إلهيته فقال: {وَمِنْ ءاياته خَلْقُ السماوات والأرض وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ} فنقول: أما دلالة خلق السماوات والأرض على وجود الإله الحكيم فقد ذكرناها وكذلك دلالة وجود الحيوانات على وجود الإله الحكيم، فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة؟ قلنا فيه وجوه الأول: أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحدًا منهم يقال بنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله واحد منهم ومنه قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] الثاني: أن الدبيب هو الحركة، والملائكة لهم حركة الثالث: لا يبعد أن يقال إنه تعالى خلق في السماوات أنواعًا من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض.